مقهى الأرواح _ طارق الحلوانى
مقهى الأرواح ق.ق
¤¤¤¤¤¤
"في حب الصوفية"
لم يكن المكان مقهى... لكنه صار كذلك.
مصطبة حجرية مواجهة لمسجد صغير، داخله ضريح عمر بن الفارض، سلطان العاشقين.
تخرج من المسجد رائحة المسك والبكاء المكتوم، وبجوار السور يعيش التربي، في غرفة تلاصق القبة الخضراء. كل خميس، بعد "الحضرة"، يأتي رجل ببدلة كحلية متعبة، يحمل حقيبة جلد أنيقة، ويجلس قليلا إلى جوار التُربي.
اسمه "سراج الدين". موظف في وزارة هامة ، لكنه هناك، داخل المسجد، درويش مضيء.
يخرج من الحضرة كأنما تجددت روحه، ويهمس للتُربي:
– النور بيزيد كل مرة... والشيخ بيبتسم لي في المنام. ذات خميس، جلس طويلاً، وناوله ظرفا صغيرًا.
قال بصوتٍ هادئ:
– دي وصيتي… لو مت، ادفنوني هنا.
ابتسم التربي كعادته: – بتقول كده كل أسبوع. لكن "سراج" لم يضحك. في فجر الجمعة، توقفت سيارة فارهة أمام المسجد.
نزل منها شاب أنيق. لم يكن قد زار المكان من قبل. كان يحمل نفس الحقيبة. اقترب من التربي وسأله:
– أبي… كان بيجي هنا؟ أجابه التربي، وقد بدأ قلبه يرتجف:
– كان هنا امبارح.
قال الشاب بصوت مكسور: – توفي مساء أمس. عند الغُسل، ظهرت كراماته:
وجهه منير كمن خرج من الحضرة للتو.
ابتسامة طفيفة تستقر على ملامحه، كأنه يرى ما لا نراه.
جسده ناعم، دافئ، لا يعرف قسوة الموت.
الناس تتوافد من كل مكان… يبكونه كولي، لا كموظف. وقفت مذهولا... لم أكن أفهم أبي ، كنت أسخر من أوراده، وأصفه بـ"الدرويش الهارب من الواقع". لكن الآن... رأيت الحقيقة.
أعطاه التربى الظرف ففتحه . كانت فيه ورقة واحدة: "لا تبكِ يا بني، ما من طريق أطهر من الحب،
وما من حضن أرحب من نور الشيخ.
ادفنوني هنا، حيث قلبي ظل يجيء كل خميس يبحث عن الحب ." في المساء، دفن سراج بجوار الضريح ، كما أوصى.
بعد أسابيع، وبينما كان التُربي يسخن الشاي فوق الجمر، لمح وجها مألوفا يخرج من المسجد.كان الشاب.
بملابس بسيطة.
حافي القدمين.
تلمع عيناه بدموع التأبين .جلس على المصطبة، وتنهد:
– النهارده... كنت جوه الحضرة. ابتسم التربي، وقال:
– النور بيزيد… مش كده؟ رد الشاب :
– والنار جوايا... بتبرد. ثم نظر إلى قبر ابيه بجوار المسجد، وقال همسا : – أبي... لقد حضرت إطمئن .
طارق الحلوانى
يوليو ٢٠٢٥

تعليقات
إرسال تعليق